العلامة الحلي

90

نهج الحق وكشف الصدق

ولا بالرحمة ، لأن التعطف والشفقة إنما يثبت مع قصد الاحسان إلى الغير ، لأجل نفعه ، لا لغرض آخر يرجع إليه ، وإنما يكون كريما وجوادا ، لنفع الغير للاحسان ، وبقصده . ولو صدر منه النفع لا لغرض ، لم يكن كريما ، ولا جوادا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . فلينظر العاقل المنصف من نفسه : هل يجوز أن ينسب ربه عز وجل إلى العبث في أفعاله ؟ وأنه ليس بجواد ، ولا محسن ، ولا راحم ، ولا كريم ؟ نعوذ بالله من مزال الأقدام ، والانقياد إلى مثل هذه الأوهام ! . ومنها : أنه يلزم أن يكون جميع المنافع التي جعلها الله تعالى منوطة بالأشياء غير مقصودة ، ولا مطلوبة لله تعالى . بل وضعها وخلقها عبثا ( 1 ) ، فلا يكون خلق العين للإبصار ، ولا خلق الأذن للسماع ، ولا اللسان للنطق ، ولا اليد للبطش ، ولا الرجل للمشي ( 2 ) وكذا جميع الأعضاء التي في الإنسان ، وغيره من الحيوانات . . ولا خلق الحرارة في النار للإحراق ( 3 ) ، ولا الماء للتبريد ، ولا خلق الشمس ، والقمر ، والنجوم للإضاءة ، ومعرفة الليل والنهار للحساب ( 4 ) . وكل هذا مبطل للأغراض ، والحكم ، والمصالح . ويبطل علم الطب بالكلية ، فإنه لم يخلق الأدوية للإصلاح ،

--> ( 1 ) قال تعالى : " ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الذاريات : 56 وقال تعالى : " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ، وأنكم إلينا لا ترجعون " المؤمنون : 115 . ( 2 ) وقال تعالى : " لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها " . الآية . الأعراف : 179 . وقال تعالى : " ألهم أرجل يمشون بها ، أم لهم أيد يبطشون بها ، أم لهم أعين يبصرون بها ، أم لهم آذان يسمعون بها " ، الأعراف : 195 وقال تعالى : " ومن آياته خلق السماوات والأرض ، واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات للعالمين " الروم : 22 . ( 3 ) وقال تعالى : " نار الله الموقدة " الهمزة : 6 وقال : " ثم في النار يسجرون " غافر : 72 . ( 4 ) وقال تعالى : " هو الذي أنزل من السماء ماء ، لكم منه شراب ، ومنه شجر " النحل : 10 .